بمناسبة مرور خمسين عاماً على نكسة حزيران جمعية الشؤون الدولية تعقدُ ندوة حول حرب 5 حزيران 1967


التأمت في عمان مساء أمس الندوة التي نظمتها جمعية الشؤون الدولية والتي تأتي بمناسبة مرور خمسين عاماً على حرب الخامس من حزيران 1967، بحضور حشد كبير من رؤساء الوزارات وأصحاب المعالي والعطوفة والسعادة من السياسيين والمُفكرين والمُثقفين والإعلاميين من الأردن ودول عربية شقيقة بحضور دولة الدكتور عبد السلام المجالي رئيس الجمعية وقد أدار الندوة دولة السيد طاهر المصري الذي ابتدأ فعالياتها بالترحيب بالضيوف والمُشاركين مُعبراً عن تقديره لجهودهم وجهود جمعية الشؤون الدولية الناشطة في المجالات السياسية والفكرية والثقافية وما تنظمُه من فعاليات نوعيّة، وما هذه الندوة إلا نِتاجُ لهذا النشاط الفاعل.  
بمشاركة كل من دولة السيد فؤاد السنيورة رئيسُ وزراء لبنان الأسبق والشيخ عبد الفتاح مورو النائب الأول لرئيس مجلس النواب التونسي، والدكتور مصطفى البرغوثي أمين عام المبادرة الوطنية الفلسطينية، والفريق فاضل علي السرحان أمين عام جمعية الشؤون الدولية.
واشتملت فعاليات الندوة على أربع مُحاضرات وأوراق عملٍ بدأها دولة السيد فؤاد السنيورة رئيسُ وزراء لبنان الأسبق حيثُ تناول فيها عدداً من المحاور ركز من خلالها على ما هيّة الدروس والنتائج التي استفادها العرب من حرب الخامس من حزيران، سيّما وأن جمعية الشؤون الدولية تقيم هذا اليوم في أفياء شهر رمضان المبارك، الذي اعتبره السنيورة شهراً يحفلُ بالدلالات التي تعطي الفُرصة لمراجعة الذات للاستفادة من مِحن الماضي مؤكداً أن مرور خمسين عاماً على النكسة يمثِلُ محنّة عربية مُستمرة سببت خسائر فادحة يصعُبُ تعويضها ما زال الإنسان العربي يُعاني منها حتى اليوم.
واستذكر السنيورة قمّة الرياض الإسلامية الأمريكية وما سعت إليه من قرارات في مجال ضبط التوسّع الإيراني، وإحداث انفراج بين العالم الاسلامي وأمريكا، وايضاً الخروج من الإرهاب المُدمر، داعياً إلى أهمية التبّصر فيما آلت إليه الأمور لتكون المُمارسات صحيحة والابتعاد عن التردُد والارتباك والعودة إلى الثوابت والمرتكزات للولوج إلى الحاضر والمُستقبل باقتدار.
لافتاً إلى أن العرب قد عانوا وما زالوا يعانون من آفات مثل وجود النُظم الاستبدادية الديكتاتورية، والتطرّف والمذهبية والانشقاقات، وآفة التدخُلات الخارجية في سيادة ووحدة المجتمعات العربية.
ويربط السنيورة هزيمة 1967 بما تعانيه المجتمعات العربية حاليا قائلا: إن الاستبداد لا يُحرِر ولا يُنمي ولا يصنع المُستقبل وأن التطرُّف وتصاعد حدّة المذهبية في وقتنا الحاضر فضلاً عن تصاعُد ظاهرة الإرهاب وجميعها ظواهر تمزّق الجسد العربي.
مؤكداً أن هنالك فئات صغيرة أسهمت وبوحيٍّ ممن يُسخرها لخدمة إغراضهم التخريبية الهدّامة التي تُكفّر الآخرين يجب التصدّي لها ومقاومتها.
من جانب آخر نوّه السنيورة إلى التدخُلات الخارجية والإقليمية ناعتاً إياها بالآفة التي جاءت في ضوء انفجار الأصوليات مما زاد مقدار التخلخُل الذي أسهم في التدخل الغربي في الشؤون العربية، مستذكراً النكبة عام (1948) والنكسة (1967)، ثم طليعة التدخل على إثر غزو إسرائيل للبنان في العام (1982)، لافتاً إلى التدخل الإيراني في شؤون لبنان وسوريا والعراق واليمن ثم البحرين، والتدخل الأمريكي في العام 1991 لإخراج القوات العراقية من الكويت.
وأبرز السنيورة قضية مُعاناة الأمة العربية من عدم تحديد الأولويات التي تشكّلُ بدورها الوعي العربي والتي يتصدرها القضية الفلسطينية وإقامة دولتها على أرضها وعاصمتها القدس الشريف، وأضاف السنيورة بأنه لم يتحقق شيء مما ينشُدّه العرب بعد مُضي(50) عاماً على النكسة و(70) عاماً على النكبة، ولم يزداد في هذه الفترات الزمنية سوى الاختراق، والظلم الواقع على الشعب الفلسطيني والتوغل الاستيطاني، وتزايد حجم العِداء من قبل إسرائيل للمسلمين والمسيحيين على حدٍ سواء.
واستعرض السنيورة حجم المعاناة العربية من خلال ما أورده من أرقام أشرّت إلى تزايد حجم المُهجّرين في العالم والذين يصلون إلى (55%)، يُشكّل العرب منهم قرابة (5%) بينهم (12) مليون نازح سوري من الذين يحتاجون إلى مُساعدات عاجلة، منوهاً إلى المُعاناة الكارثية للأشقاء اليمنيين في ضوء المجاعة وجائحة الكوليرا.
ودعا السنيورة في نهاية حديثه إلى استلهام الدروس والعبر من نكسة حزيران، داعياً إلى عدم الوقوف على الأطلال وعدم الاستكانة أو القبول بانكسار الإرادة أو التحوّل للسلبية والعنف وإنما الشجاعة في مواجهة الحقيقة وتمثُّل  الدروس وترتيب الأولويات فإذا كان الخامس من حزيران يوم نكسة فان العاشر من رمضان هو يوم عاد به الجسد العربي ليستعيد جزءاً من كرامته في انتصار العرب في حرب 1973.
مذكراً بالأولويات العربية والتي يتصدرها  القضية الفلسطينية من خلال رأب الصدع الداخلي للفلسطينيين والبناء على المبادرة العربية للسلام، يلي ذلك التقدّم بمثابرة لإقامة أنظمة الحُكم الرشيد في  الدول العربية التي ابتُليت بالتسلّط والقمع لسنوات طويلة، كذلك التصدي بحزم للتحولات التي يجري فيها تغليب الطائفية على الانتماء العربي والمواطنة والدولة المدنية، كذلك التصدي بالكامل للتراجع التنموي والاقتصادي المحيط بالأمة والعودة للعروبة المستنيرة، والإصرار على الانتماء العربي لاستعادة التوازن، كذلك الإصلاح الديني لمعالجة التشققات التي حدثت  ونتج عنها فشل  الدولة العربية،  إذ لم ينجذب الشباب  للدولة الدينية الموهومة لأنه لم يكن لديهم حكماً صالحاً وأكد السنيورة على ضرورة فصل الدين عن الدولة وذلك بهدف فض الاشتباكات بين الاثنين، مؤكدا بان الإرهاب يستدعي تعاونا دوليا فمكافحة التطرّف بالدين من ابرز مهام العرب والمسلمين من خلال الإصلاح الديني، واجتراح الافكار، مقارنا بين لبنان والاردن في وجود العديد من القواسم المشتركة كوجود ثقافة المواطنة والمناعة، وقبول الآخر والتنوّع، والحريات، والحجم الجغرافي، وشح الموارد، والتهديدات والاخطار المُحدقة على الحدود، وتحمّل البلدين أكبر  من طاقتهما من حيث أعباء النزوح السوري وقبله الفلسطيني فيما قد يقوّض البلدين لا سمح الله.
مُطالباً في نهاية المُحاضرة بأهمية مواجهة جميع التحديات التي تواجه الأمة من خلال سياسة واحدة، وتعزيز ثقافة المواطنة لتجاوز التصدُعات الداخلية وتمكين الإدارة الرشيدة، والتنبؤ والترّوي، والتمسّك بالحكمة وبحقوق الإنسان والدولة المدنية، والاعتراف بالتنوع ، والتنمية البشرية، وإشراك المواطن في صناعة القرار.
وقدم المُحاضرة الثانية في الندوة الشيخ عبدالفتاح مورو النائب الأول لرئيس مجلس النواب التونسي والذي تناول فيها جُملة من الآثار التي لحقت العرب جرّاء نكسة حزيران على مدار خمسين عاماً مما حدا بها أن تكون منهج حياة ذو تأثير جعل من العرب غرباء في أوطانهم بسبب حُكامهم الدكتاتوريين الذين اغفلوا أن الدولة لا تقوم إلا بالمواطنة والعقل المُستنير للإنسان العربي الذي عاش بعيداً عن الديمقراطيات التي تٌعلي من الإنسان وقيمته.
مؤكدا أن جوهر الأمر يكمُن في ضعف الأمة وجهل شبابها في إيجاد قضية جوهرية يعيشون من أجلها، وضعف الاعتناء بالمواطن وإعلاء حِس المسؤولية بداخله، كذلك والانغلاق والعيش بثوب قديم لا يخدم الحاضر والمستقبل الذي تغيرت حدودُه، وباتت الشركات العابرة للقارات هي من تحدد مصيره ومساراته وسياساته، فبات شباب الأمة يبحثون عن ايدولوجيات الماضي التي لا تخدم الحاضر، لافتاً إلى أن الدين وحده غير كافٍ للعيش إنما هو جُزء يُضاف إليه عقلٌ يعيه ويدركه ويوائم بينه وبين مُتطلبات الحاضر .
وتتّبع مورو الثالوث الذي يجثُم على صدر الأمة العربية محدداً إياهُ في عناصر منها: تخلي مُثقفي الأمة عن دورهم الرياديّ لأنهم من يصنع العقول فعُلماء (الطب والصيدلة والهندسة والبيطرة) مُهمّون ولكن الأهم هم صانعو العقول والمُطوّرون في مجال العلوم الإنسانية لأنها من تصنع العقول وتضعُ الأولويات، فيما ركزّ على الجانب الثاني المُتمثل في الحاجة لتطوير المناهج التربوية عازياً انتشار ظاهرة الإرهاب المؤسفة إلى ضعف إحساس الشباب العربي بمسؤولياته تجاه أمته وان المناهج والعلوم والثقافة لم تصنع للجيل الحالي قضية يعيش من اجلها مما حدا به للبحث عن قضايا نعتها مورو بــ (الماضوية) جعلت من الشباب يُحيدُ عن الدرب القويم، مضيفاً أن الأمة أحوج ما تكون لمن يفهم واقعها ويتحرك لإقامة مؤسسات جديدة تُعطي للإنسان حق المواطنة وتوجه الشباب إلى مسارات تبعده عن الإرهاب .
الدكتور مصطفى البرغوثي أمين عام المبادرة الوطنية الفلسطينية كان المتحدث الثالث في الندوة حيث قدّم من خلال الأرقام والإحصائيات عدداً من الحقائق التي تربِط آثار النكبة بالواقع المُعاش في فلسطين مؤكداً على مُعجزة الصمود الكُبرى وان المقاومة لم تتوقف وأنها أسهمت في فشل المشروع الصهيوني الذي لم يرد السلام يوماً وإنما أراد الهيمنة الكاملة على المنطقة العربية.
مؤكداً أن لا سبيل للشعب الفلسطيني من تحقيق سيادته على أرضه وعاصمتها القدس الشريف إلا بتغيير ميزان القوى وأن تغيير هذا الميزان يكمُن في عدّة أمور ومهمات جسام من أبرزها إزالة الانقسام من الصف الفلسطيني.
لافتاً إلى أن ما يواجه الشعب الفلسطيني من انتهاكات (مُعقدة جداً) تتمثل في التطهير العرقي الذي ظَهر جلياً في العام 1948، والاستعمار الإحلالي الاستيطاني، والاحتلال الأطول تاريخياً كذلك الاحتلال الذي يتميز بأنه الأكثر تمييزاً عنصرياً في التاريخ، إضافة إلى أن الشعب الفلسطيني لم يرضخ لهذه الانتهاكات ولم يستسلم ولم يتخلى عن قضيته بكافة السُبل العفوية منها والمدروسة.
وقال البرغوثي: إن إسرائيل وبعد مرور خمسين عاماً على نكسة حزيران لم تنتصر إذ بقيت وحتى اليوم تواجه مُعضلةً ديُمغرافية على الأرض تتمثل بان عدد الفلسطينيين أكبر من عدد اليهود، مُستعرضاً الدور الفلسطيني الباسل الذي أبدته المقاومة الفلسطينية على مر التاريخ الحديث والتي بدأت بالانتفاضة الشعبية الكبرى في العام 1987 تلاها انتفاضة  الأقصى في العام 2000، ونهوض المقاومة الشعبية وحركة المقاطعة الشعبية الواسعة في العام 2002، إضافة إلى انتفاضة القدس في العام 2015.
وأوضح البرغوثي الهدف الاستراتيجي للاحتلال الصهيوني الذي يتمثلُ في تجزئة الشعب الفلسطيني بهدف إبطال العامل الديمغرافي وزرع المستوطنات في جميع أجزاء الضفة الغربية وإحلال بؤر من المستوطنات المترابطة داخل الضفة في تطبيق لما سمي خطة (Alone) التي عمل عليها الكيان الإسرائيلي مدة تنيف عن الخمسينَ عاماً، مؤكداً أن لا فرق بين من يجلس على كرسي الإدارة الإسرائيلية لان الهدف واحد والسياسة واحدة وهي زيادة الاستيطان، والتضييق على الفلسطينيين مؤكداً أن الانتفاضة الأولى بزخمها وتعريتها لإسرائيل عالمياً وإعلامياً كادت أن تعطي ثماراً ايجابية لولا بعض الأخطاء والتي حددها البرغوثي في انه تم الاعتراف بإسرائيل دون الاعتراف بفلسطين، وتم الاعتراف بإسرائيل دون تحديد حدودها، إضافة إلى وضع اتفاق جزئي انتقالي، كذلك وضع اتفاق سلام ووقف الانتفاضة دون وقف الاستيطان.
 وخلُص البرغوثي إلى عدّة توصياتٍ ودروس مستفادة من النكسة وتبعاتها تمثلت بـضرورة الاعتماد على النفس وتنظيمها وتحدي الاحتلال الإسرائيلي والإجراءات والقوانين الصهيونية، إضافة إلى أهمية إنهاء الانقسام الداخلي في الصف الفلسطيني ودعم الصمود الوطني، وإعادة بناء ما فُقد وتغيير ميزان القوى.
من زاوية أردنية عسكرية تشرح ما تم في الميدان وعلى الأرض قدم الفريق فاضل علي السرحان أمين عام جمعية الشؤون الدولية مجموعة من الحقائق التي توضح التاريخ العسكري للمعركة بتحليل مهنيٍ مُحايد حيث بيّن أن العمل العسكري هو امتداد للعمل السياسي، مؤكدا أن جوهر الدروس المستفادة من النكسة وآثارها على الأمة العربية يكمن في المقولة (لا يأسَ مع الحياة)، ولكن حرب حزيران لم تكن حرباً متكافئة بين إسرائيل والعرب إذ زُج بالجندي العربي إلى الميدان دون خطة إستراتيجية ولا حتى ميدانية، وقدم السرحان تفصيلاً دقيقا حول معطيات المعركة وأعداد الجيوش والأسلحة من الدبابات والطيران والجنود. مبيناً الحرب الإعلامية التي طالت الأردن قبيل الحرب والتي نحّاها الأردن وقيادته جانباً ليعمل على الدفع بالإخوة العربية قُدما وإيجاد التوافق العربي لمواجهة العدو الصهيوني .
وبين السرحان مجموعة الإرهاصات التي مهدّت لحرب حزيران والتي تصدّرها جُملة من الخطوات التصعيدية من حشود وضعتها إسرائيل على الجبهة السورية ، تمثلت في إغلاق مضائق تيران من قبل مصر قبالة خليج العقبة، والزيارة السرية التي قام بها الراحل المرحوم جلالة الملك حسين للرئيس جمال عبد الناصر للتوقيع على اتفاقية الدفاع المشترك لحماية الأمة العربية ومصالحها.وحدودها من التغوّل الإسرائيلي.
وأضاف السرحان بعضاً من تفاصيل العمليات العسكرية من الطرفين الجيوش العربية والتي  قامت بها إسرائيل على مطارات مصر والذي أربك الجيش المصري الذي كان اكبر الجيوش العربية وأكثرها تسليحاً، فيما وعلى الجانب الأردني بين السرحان حجم الخسائر التي تكبدها الجيش الأردني والمقاومة الباسلة التي قدمها في الضفة الغربية والخسائر التي منيت بها الجيوش العربية برمتها التي خاضت هذه الحرب غير المتكافئة.
وبيّن السرحان أهم النتائج الميدانية للحرب موضحاً أن مسرح العمليات وجبهة العمليات لكافة الجيوش العربية والأردنية على وجه الخصوص لم تكن متكافئة وقد تكبدت الجبهة الأردنية خسائر جسيمة لأنها عملت دون غطاء جوي مبيناً أن إسرائيل تعمل في حروبها على عدة مرتكزات ضمن عقيدة عسكرية ثابتة تبدأ بنزع زمام المبادرة والمبادأة والتخطيط العسكري الدقيق ونقل المعركة إلى ارض العدو وعدم السماح بنقلها إلى إسرائيل مؤكداً أن حرب حزيران حرب غير متكافئة على مختلف الصُعد إذ لم يكن هنالك اتفاق عربي، وافتقرت لخطة إستراتيجية وميدانية مما أوقع الجيوش العربية في حرب مُحبِطة اعتمدت على تفوق الآلة العسكرية والتسليحية الإسرائيلية، وكذلك التفوق الجوي في ساحة المعركة،  وغياب التخطيط العسكري الحربي العربي ونقص التسليح والتدريب في صفوف الجيوش العربية والاستعداد الإسرائيلي التام للمعركة.
وعاد السرحان وأكد أن لابُد من التحفيز المُسبق وتمثّل الدروس والاستفادة من عِبر المعركة وتجهيز مسرح العمليات، وانسجام القيادة  ورصّ الصفوف.
 
Pin It