أمين عام جمعية الشؤون الدولية يكتب في الذكرى الخمسين لمعركة الكرامة


الكرامة
بقلم: الفريق الركن المتقاعد فاضل علي فهيد السرحان
قال تعالى “ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا” صدق الله العظيم.
 
الكرامة جزء لا يتجزأ من الإنسان ولدت معه والدليل هذه الآية الكريمة، وهي العزة والشموخ وعدم قبول الإهانة بأي شكل كان ومن أي شخص أو جهة كانت وهي ليست كلمة أو تعبير يمكن تعريفها أو وصفها إنما هي شعور وجداني لا يعلو عليه شعور آخر. أقول هذا وأنا مشدود في هذه الأيام التي نحتفل فيها بالذكرى الخمسين لمعركة الكرامة التي جاءت بعد حرب حزيران 1967، التي هزم فيها العرب هزيمة قاسية حيث وخلال أقل من اسبوع دمرت جيوش عربية أوأجبرت على الانسحاب بعد أن احتلت اسرائيل أراضي لثلاث دول عربية هي الضفة الغربية وشبه جزيرة سيناء، وهضبة الجولان، فكانت بالإضافة الى الخسارة الروحية والمعنوية والمادية إهانةً كبرى للكرامة العربية بمجملها. وتعززت وانتشرت بشكل واسع المقولة التي روجت لها اسرائيل بعد حربي 1948-1956 “العدوان الثلاثي على مصر” بأن جيشها “الجيش الاسرائيلي” لا يقهر . علماً بأن الانتصارات الاسرائيلية ما كان لها أن تتحقق لو أحسن العرب الإعداد والاستعداد والتخطيط السليم وابتعدوا عن المزايدات الفارغة والغوغائية والارتجال والصوت العالي والشعارات المضللة وهبات الفزعة العشوائية في الوقت الضائع.
 
خاصة أنهم يعرفون تمام المعرفة دعم الدول الغربية لاسرائيل وتزويدها بأحدث أنواع الأسلحة والمعدات التي تضمن لها التفوق عليهم.
 
لقد دخل الأردن حرب 1967 لأنه لم يكن امامه خيار آخر رغم شكوكه في نتائجها منذ البداية إلا أنه ماكان يوماً إلا مع العمل العربي المشترك رغم ظلم اشقاءه له وتنكرهم لمتطلباته واحتياجاته لابل وتآمرهم عليه في كثير من المواقف. وانني عندما أذكر هذا وفي هذه المناسبة تحديدأ لا أقصد الإساءة لأحد بل أعيد الذاكرة الى التاريخ لعل في ذلك عبرة يستفاد منها، إضافة إلى أن لكل هذا الذي ذكرت علاقة مباشرة جداً بمعركة الكرامة فهو يشكل المرجعية الحقيقية لتسلسل الأحداث التي قادت الى الكرامة- فبعد هزيمة 1967 وجد الأردن الذي لم يتعاف بعد من زلزال الحرب وهول الخسارة التي مني بها بفقدانه الضفة الغربية إضافة الى خسارة جيشه لمعظم اسلحته ومعداته وتجهيزاته العسكرية، وجد نفسه مرة أخرى يقف وحيداً على أطول خط للمواجهة مع العدو الصهيوني لا يملك سوى القليل من العدة والعتاد والكثير من الأيمان والارادة والعزيمة الصلبة أن عليه أن يعتمد بعد الله على قوته الذاتية وعدم انتظار العون أو المساعدة من أي طرف آخر.
 
ويستمر التحدي ويبقى خط وقف إطلاق النار ساخناً ملتهباً تتبادل فيه القوات الاردنية والمقاتلون الفلسطينيون الذين وافق لهم بالبقاء على أرضه بعد حرب 1967 من جهة والقوات الاسرائيلية من الجهة الأخرى الاشتباكات على مدى الشهور التسعة إلى أعقبت الحرب حيث كانت القوات الأردنية تغطي عمليات المقاومة الفلسطينية وتدعمها رغم ردود الفعل العنيفة التي ترد بها اسرائيل على تلك العمليات والتي أسفرت عن خسائر كثيرة خاصة بين صفوف المدنيين في المدن والقرى الأردنية وبشكل خاص منطقة غور الأردن التي اضطر سكانها الى هجرها مما ألحق ضرراً كبيراً في القطاع الزراعي، ولم يكن ذلك ليؤثر على روح التصدي والقتال لدى القوات الأردنية.
 
كانت بلدة الكرامة التي تقع في الغور الأوسط والتي سميت بهذا الاسم من قبل المغفور له الملك عبدالله الأول ابن الحسين مؤسس المملكة الاردنية الهاشمية بعد أن أمر بتخصيصها للاجئين الفلسطينيين الذين هُجروا من ديارهم من قبل العدو الصهيوني عام 1948، كانت تضم معسكرا للمقاتلين الفلسطينيين من منظمة فتح وقد استغلت اسرائيل ذلك لتبدأ حملة اعلامية غايتها إقناع الرأي العام في اسرائيل والغرب على أن هؤلاء المقاتلين يقومون بهجمات على القوات والمستعمرات الاسرائيلية الغربية من خط وقف إطلاق النار، تبع تلك الحملة حشود عسكرية اسرائيلية غرب نهر الأردن حيث كانت الاستخبارات العسكرية الاردنية ترصد تلك الحشود وتنذر القوات المسلحة الأردنية باحتمالية الهجوم خاصة أن تلك الحشود كانت تضم قوات مشاة ودروع ومدفعية كبيرة، توحي بأن الهدف سيكون احتلال أراضٍ استراتيجية على المرتفعات الغربية للضفة الشرقية وذلك لخلق واقع جديد ربما يتم التفاوض عليه فيما بعد حيث تطوى صفحة القضية الفلسطينية.
 
وتنفيذاً لمهمتها الموكولة لها قامت القوات الاسرائيلية بعدوانها على الضفة الشرقية ففي الساعة الخامسة والنصف من صبيحة يوم الخميس 21/3/1968 بدأت القوات الاسرائيلية الهجوم على أربعة محاور وعلى جبهة عرضها يزيد على ثمانين كيلومتراً تمتد من جنوب البحر الميت في غور الصافي وحتى منطقة جسر داميا على طريق عمان نابلس وبقوات ضخمة جداً لا تنسجم مع الهدف المعلن للعملية وهو القضاء على المقاومة الفلسطينية في بلدة الكرامة.  جاءت هذه القوات المجهزة تجهيزاً عالياً مدعومة باسراب من الطائرات المقاتلة والمدفعية وقوات المظليين والقوات المحمولة بطائرات الهيلوكبتر جاءت مملوءة بشعور الصلف والغطرسة ونشوة النصر الذي حققته في حرب العام الماضي 1967 جاءت وفي اعتقاد قادتها وضباطها وافرادها أنهم إنما هم ذاهبون في نزهة سياحية هدفها القتل والتدمير من ثم الرقص على اشلاء القتلى، ولم يكن يدور في خلدهم أنهم إنما هم ذاهبون الى جحيم لم يشهدوا له مثيلاً من قبل وهنا كانت صدمة المفاجأة حيث وقعوا في مستنقع نيران القوات الأردنية من كافة الأسلحة والصنوف التي تجلت عزيمتها وارادتها وكفأتها القتالية وحسن التنسيق ودقة الاصابة مما أوقع القوات المعتدية في الفخ والارتباك والفوضى التي عمت كافة المستويات سيما بعد أن تكبدت خسائر جسيمة في الأرواح والمعدات. وحوالي الساعة 11:30 قبل الظهر طلب الجانب الاسرائيلي من الجانب الأردني وقف اطلاق النار الذي رفضه الملك الحسين بن طلال القائد الأعلى للقوات المسلحة قائلاً: لا وقف لإطلاق النار وهناك جندي اسرائيلي واحد على ضفة نهر الاردن الشرقية. مما زاد من ارتباك القادة الاسرائيليين واخذوا يفكرون في طريقة للانسحاب بأقل الخسائر.
 
ولكن القتال استمر وبدأت ملاحقة القوات التي انسحبت وايقاع اكبر الخسائر في صفوفها. وأخذ العدو يستعين بسلاحه الجوي لتغطية انسحاب قواته ما أمكنه ذلك. وازداد ضغط القوات الأردنية حتى تم طرد العدو كلياً بحدود الساعة التاسعة والنصف ليلاً مخلفاُ وراءه عدداً من القتلى والدبابات والمدرعات والآليات المختلفة المدمرة. وهي المرة الأولى التي تحدث للجيش الاسرائيلي. وقد قدرت خسائر العدو البشرية بـ 250 قتيلاً و 450 جريحاً وبحدود مئة آلية مختلفة مدمرة أو مصابة، تمكن العدو من اخلاء معظمها من أرض المعركة أثناء القتال. أما خسائر الجيش الأردني فكانت 87 شهيداً و 125 جريحاً وحوالي 40 آلية مدمرة أو مصابة، وقد كنت أحد المصابين في المعركة.
 
هذه هي الكرامة التي أرادها الله أن تكون إسماً على مسمى هذه هي الكرامة التي شكلت مفصلاً تاريخياً في سجل الحروب العربية الاسرائيلية. هذه هي الكرامة التي حطمت أسطورة الجيش الذي لا يقهر. هذه هي الكرامة التي أعادت الثقة الى الانسان العربي بأنه يمكن تحقيق النصر على اسرائيل.
 
هذه هي الكرامة التي نحتفل اليوم بعيدها الذهبي، هذه هي الكرامة التي بإسم شهدائها وجرحاها وكل من ساهم فيها نناشد الأمة ممثلة بقياداتها بذل قصارى الجهود لاستعادة كرامة هذه الأمة من خلال وقف الاقتتال والتقاتل فيما بينهم والتهجير والتدمير ووقف حرب الكراهية المذهبية والطائفية، فهل يُسمع النداء، نرجو الله. واخيرا طوبى لشهداء الكرامة وشهداء الأردن على كل أرض وتحت كل سماء والعزة لله والمجد للأردن وقائده المفدى.
Pin It