الأزمة الخليجية القطرية.. وما بعد داعش


حملت عنوان الحلقة النقاشية التي عقدتها جمعية الشؤون الدولية يوم الثلاثاء الخامس من تموز الجاري بعنوان "الأزمة الخليجية القطرية.. وما بعد داعش" عدداً من الموضوعات والمحاور الدقيقة والحساسة حول الأزمة الخليجية/القطرية وتبعاتها وآثارها عربياً، كذلك الوضع ما بعد داعش في العراق، وقد ترأس الحلقة النقاشية دولة الدكتور عبد السلام المجالي رئيس الجمعية بحضور عدد كبير من أعضائها ورموزها، وقد بُدئت الجلسة بتقديم ملخص حول النشاط السابق للجمعية "حرب الخامس من حزيران 1967"، تلاه تحديد محوري الجلسة وهما: أزمة الخليج - قطر ومحور ما بعد داعش وآثار هذه الأزمات عربياً وأردنيا وترابطها مع القضايا العالمية. 
وفي بعض الإضاءات التي قدمها المشاركون حول ُمجريات الندوة السابقة التي نفذتها الجمعية حول (حرب حزيران 1967) يوم 5 حزيران بمناسبة مرور خمسون عاماً عليها. أكدوا من خلالها على الدور الريادي الذي قدمته جمعية الشؤون الدولية  في عقدها وتنظيمها للندوة مما أسهم بإلقاء الضوء حول هذا الحدث المهم والمحوري في حياة الأمة العربية، فيما يُعدُّ بادرة قيّمة وجهوداً نوعيّة في التذكير بهذا الحدث الهام الذي كان له تبِعاتُه الوخيمة والكبيرة على الأمة العربية، إذ كان نتاجُه تصدّع في بُنيان الأمة العربية ، مما أنتج تأثيرات وتبعات كبّدت الأمة العربية خسائر على الصعيد العسكري والمعنوي ما زالت ترزح تحت وطأة إحباطاتها وقد كان ذلك نتاجاً لعدم انسجام الحكومات العربية مع شعوبها وعدم قدرتها على تلبية مطالبها مما ولّد خذلاناً جسيما في جسم الأمة العربية .
وأشار بعض المشاركين إلى أن حرب حزيران كانت مثالاً واضحاً على ضعف الأنظمة العربية والنُخب السياسية والفكرية في التعامل مع آثار هذه الحرب بنُضج فكري، فيما انهارت النظم السياسية العربية مُخّلفة جيلاً محبطاً لم يستطع استلهام العِبر والدروس من التجربة بهدف إعادة بناء أمّته ومواجهة ما يعترضها من تحديات وعثرات، فالأمة العربية لم تتوقف لتقرأ وتتعلم وتستفيد من فكر الهزيمة. 
فيما خالف بعض المشاركين في طرحهم أن حرب حزيران قد قصمت ظهر الأمة وهزمتها للأبد  وذلك في إشارات إلى استنهاض الهمم وتقوية الصف ودراسة سُبل إعادة البناء والترميم، مؤكدين على أن الأمم تحارب وتهزِم وتُهزم وتنهض مُجدداً. 
وحول "أزمة  قطر" طُرحت العديد من الأفكار والمداخلات التي أشارت في مُجملها إلى أن ما حدث في قضية الحصار على قطر ما هو إلا فُقدان للبوصلة العربية طريقها، مما أنتج جُرحاً عربياً جديداً ، مما ينم عن غياب الرؤية العربية الموحدّة، في ضوء ما تُعانيه الأمة من ضياع وما يمزقها من حروب في ظل غياب المؤسسات العربية الفكرية وتراجع دور المُفكرين العرب، فيما تمت الإشارة في ذات سياق الأزمة إلى، ما حظيت به قطر من دعم تركي وإيراني فضلاً عما تخطى به من جو ملاحي بحري  واسع، إضافة لنفوذها في أوروبا جرّاء تصدير الغاز وجرّاء قوة أدواتها في الخارج، لكن التكهّنات وقراءة المشهد تشير إلى أن قطر حتى وان عادت إلى الصف العربي فإنها لن تكون فاعلة ولن تؤدي الدور اللازم المنوط بها عربياً وهذا ما ستكشفه الأيام المُقبلة.
فيما يرى البعض الآخر من المشاركين ومن وجهة نظر مُغايرة بأن قوة قطر قد تضاعفت سياسياً واقتصادياً وعسكرياً ،بفعل هذه الأزمة السياسية، سيّما وضعها الاقتصادي من خلال ما يقدم لها من دعم (إيراني، وتركي)، لافتين إلى أن أمريكا لم تحدد موقفها من الأزمة بشكل واضح، ومنهم من يرى أنّ قطر لعبت أدواراً سياسية ما كان يجب لها أن تلعبها، وهذا هو جوهر الأزمة، مُنادين بضرورة حل أزمة الخليج – قطر. 
فيما ركزّت بعض مداخلات المُشاركين على صعيد الدور الأردني وما يحدث في مجريات الساحة العربية، سيّما الأزمة القطرية العربية فقد أشاد المُشاركون بموقف الأردن المُتزّن وسياسته المُعتدلة التي يبغي من ورائها رأب الصدع وتجسير الفجوات والربط العربي والبحث في الجوامع والقواسم المُشتركة، لا التركيز على أوجه الاختلاف، من خلال سُنته ومنهجه التي يتبّعهُما دوماً تجاه القضايا العربية – العربية، ولكن بذات الوقت لا يُمكن تجاهل ما يمر به الأردن وما يُعانيه من تحديات سواءً اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية أو عسكرية.
أما فيما يتعلق بالأردن وداعش فأشار بعض المشاركين إلى ضرورة حماية الأردن من اجتياح الفكر المتطرف الذي يحمل بذور داعش وايدولوجياتها وذلك من خلال تعزيز الوعي المُجتمعي العام،  بما في ذلك العمليه التعليميه والوعي الأمني، وكذلك الاستمرار في زخم الإصلاح السياسي ووضع التخطيط المُناسب لدرء تاثيرات الفكر الداعشي كون الاردن جزيرة في وسط مًلتهب. 
وفي محور "داعش وما بعدها" ركز عدد من المشاركين على أن تنظيم داعش هو ظاهرة فكرية طارئة أكثر منه ظاهرة عسكرية مُسلحة، فهو مُشكلة ثقافية فكرية تواجه الأمة العربية، وتُسمم فكرها وتتغلغل في العقل العربي، وتكمن في الذهنية العربية التي تقدمُ أمثلة وطروحات وسلوكيات وأفكار تكرّس الفكر الداعشي، وان داعش هي نتاج لضعف الأنظمة والقيادات العربية التي حابت ونافقت للحركات الإسلامية، التي كانت تأخذ جانب التطرف في الكثير من المواقف والحِقب الزمنية من عمر الأمة العربية، وفي عهدنا الحاضر وبحال انتهت داعش قد يظهر ذات التنظيمات بأسماء جديدة وبإشكال وتكتيكات متنوعة، لتكون طاعوناً بشعاً يظهر بإشكال مُتعددة، أما السبيل للخلاص من هذا الفكر المتطرف فهو بان تتناول منصّات ومنابر الوعي والثقافة والمجتمع العربية أدوارها ومسؤولياتها من خلال العمل الجاد لتعزيز الفكر الواعي والمعتدل.
 وطرح المُشاركون عدداً من التساؤلات حول الأحداث التي جرت مؤخراً في الموصل وما نتج عنها من إنهاء لهذا التنظيم الإرهابي، في اضاءات حول :أين هم الأسرى وأين الجُثث للقتلى وأين الشواهد والأمثلة الملموسة على انتهاء هذا التنظيم، في إشارات واضحة إلى ما لعبه الإعلام المُصطنع في تضخيم هذا التنظيم وتقديم رؤى غير دقيقة حول حجمه وتعداده وأنشطته، لافتين إلى أن داعش باقية بالشكل الذي تُريده إسرائيل وأمريكا، وأنها أداة يتم توظيفها في مجالات القتل والتدمير والإبادة الإنسانية وحواضر الأمة، باستخدام شعارات الدين الإسلامي، فيما قدم بعضهم حلولاً لاجتثاث داعش من خلال استئصال الأسباب التي أوجدت داعش في بُعدها العالمي.
 من جانب آخر وفي ربط  لموضوع داعش كأداة تُحركها القوى العُظمى التي تخدم سياساتها في الهيمنة والسيطرة والمصالح أشار بعض المشاركين إلى توظيف "الدين الإسلامي" في عدة فترات زمنية وإقرانه بالتنظيمات الإرهابية المتطرفة بمُسميات متعددة ظهرت  في حِقب زمنية متتابعة لكنها تحمل ذات الأفكار والايدولوجيات التي ترسّخ الإرهاب والتطرف والاعتداء والترويع مثل: (طالبان، القاعدة، النُصرة، داعش) وما هذه الحركات سوى صناعة اسرائيلية غربية مدروسة للإرهاب.
كما طُرِحت بعض التساؤلات حول مصادر تمويل هذه التنظيمات والدعم المادي الذي تحظى به لتدمير المنطقة العربية التي تحظى بثروات كبيرة لا تمتلك الدول العربية السيطرة عليها وقد عملت هذه التنظيمات على تشويه الحضارة العربية الإسلامية. 
لقد استخدمت أمريكا الدين الإسلامي كمشجب لتعليق العديد من السلوكيات المُشينة والمفاهيم المغلوطة على عاتق الدين ووصمه بأنه دين الإرهاب وما الإرهاب سوى صناعتهم، من خلال خبراء ومختصين في مجالات التخطيط والتنبؤ وإجراء ما يسمى بـــ "الدراسات المًستقبلية" التي تقدّم قراءات ذات أبعاد أعمق تُبنى في ضوء ما يريده الغرب وأمريكا في مجال تدمير العرب وتعميق انقساماتهم وتفعيل دور الايدولوجيات والأفكار التي تقدمها الجماعات الإرهابية والمُتطرفة صنيعتهم،  وبعودة إلى الوراء، فإن التاريخ يُكرر نفسه في مواضع متعددة وتتكرر الحروب ويتكرر في إطارها الاقتتال الداخلي وانقسام الصفوف العربية وازدياد الفرقة والتراجع والتأخر عن ركب الحضارة، وأعلن بعض المشاركين عن أسفهم في أن هنالك من المُفكرين ورجال الفكر ممن يسوقون أفكار الغرب التي تُسيئ للدين الإسلامي.
ولفت بعض المشاركين إلى أن ما تعيشه الأمة العربية في وقتنا الحالي يعتبر مرحلة مخاض  وليسَ لها من خلاص إلا من خلال التمسّك بالعروبة والإسلام حيث تُشكّل العروبة الوعاء والحاضنة للدين الإسلامي، وعلى المفكر والمُثقف العربي أن يمارس دوره في هذا المجال وأن يتم تعظيم صوت الاعتدال الذي تحويه قيم ومبادئ الدين الإسلامي الحنيف سلوكاً وممارسة.
 
وختم رئيس الحلقة النقاشية دولة الدكتور عبدالسلام المجالي الجلسة بتقديم مجموعة من الإضاءات حول ما تقدم به المشاركون ركّز من خلالها على ضرورة الانتقال من الحديث الذي يُشخص ويصف الظواهر إلى تقديم الحلول والمُقترحات البنّاءة التي تُسهم في حل المشكلات الُمتعلقة بالواقع العربي في ضوء القضايا التي طُرحت في الجلسة، وان يتبنى المفكرون العرب فكراً جديداً يبحث في الجوامع من الأمور والبحث في القواسم الإنسانية المشتركة وعدم التركيز على أوجه الاختلاف، فمن الضرورة الالتفاف حول قضايا محددة توحد الأمة للابتعاد عن أوجه الخلط ما بين العروبة والوطنية، لأن الخلط يُضيع الجهود ويفتتها ولا يمكن من الخروج بنتائج مثمرة على الصعيد الفكري الذي يجب أن يكون واضحاً وقوياً.
 
Pin It