جمعية الشؤون الدوليّة تعقد مُحاضرة حول :"رؤى إصلاح التعليم العالي في الأردن" الطراونة: يجب أن تُركّز النظرة المُستقبلية للتعليم العالي الأردني على تحويل الجامعات الى مراكز علمية وبحثية تطبيقية مُتخصصة وتوفير قيادات جامعية تتمتع بفكر استشرافي


وبدأ الدكتور الطراونة مُحاضرته باستعراض أبرز محاورها ومفاصلها التي تركزت على أبرز التحديات التي تُواجه التعليم العالي الأردني، ومُبررات إدخال جُملة من الإصلاحات على منظومة التعليم العالي والرؤى الاستشرافية في الإصلاح التي يُمكن من خلالها النهوض بقطاع التعليم العالي في الأردن.
وبيّن الدكتور الطراونة في بداية حديثه عن مؤسسات التعليم العالي بأن هذه المؤسسات تُعدُّ ركناً أساسياً من أركان بناء الدولة العصرية المُنفتحة القائمة على الفكر المُتطور، مؤكداً بأن للتعليم العالي أبعاد كبيرة وخطيرة في آن واحد، من هُنا تأتي أهمية التعرُّف إلى واقعه والمُشكلات التي يواجهها وإيجاد الحلول الناجعة لها، مُبيناً بأن ذلك لا يقتصرُ على جهة مُحددة إنما هو واجب يخُص كل من يهتم بمُستقبل الوطن ومصيره، لذا يجب على الجامعات إعادة التفكير باستراتيجيتها لتحقيق الجودة والنوعية والتفرُّد والمُنافسة محلياً واقليمياً وعالمياً ليكون الدخول في التصنيفات العالمية نتيجةً وليس هدفاً.
وشدد الدكتور الطراونة على أن القيادات الجامعية الطموحة والمُبدعة هي من أهم العوامل الحاسمة في تحقيق جودة أداء الجامعة لوظائفها المُختلفة، فهي التي تقوم بتهيئة المُناخ المُناسب وتوفير البنية اللازمة لتحقيق أهداف الجامعة، وهي القادرة على مواجهة المشكلات خلال فترة الأزمات وضغوطات العمل.
وفي معرِض حديثه حول القيادة الإبداعية أكد الدكتور الطراونة بأنها باتت حاجة لمؤسسات التعليم العالي وليست ترفاً، فقد بات موضوع القيادة الابداعية (الريادية) من أبرز المواضيع في المجال الإداري، في ظل التقدم العلمي والتكنولوجي وما يرافق ذلك من تغييرات ومُتطلبات جديدة للنجاح، فالحاجة الى القائد المُبدع الريادي الذي يُحقق أهداف مُنظمته ويوجِد التكامل مع مؤسسات المجتمع الأخرى هو حاجة ملحة وضرورية.


مؤكداً في ذات الوقت بأن لا بد من إيجاد التغيير الشمولي لتطوير مؤسسات التعليم العالي إذ يعتبر هذا القطاع في العالم المُتقدم قطاعاً ديناميكياً حياً سريع التغيير والتفاعل مع المُستجدات خاصة فيما يتعلق بالإبداع والتجديد والمهارات، وبالتالي لا يوجد نمط ثابت ودائم يُمكن لمؤسسات التعليم أن تحذو حذوه، فالتغيير المُتواصل في طبيعة سوق الإنتاج والعمل وبروز الإبداع والإبتكار هو أحد اهم مرتكزات المنافسة والتقدُّم على المستوى الوطني والعالمي وقد أخذ يفرض الحاجة الى نوع مُختلف من التعليم ومن الأكاديميين والخريجين على حد سواء، فجميع ذلك يفرضُ ضرورة وجود حالة دائمة من التغيير والتطوير والتحديث والتقويم المُستمر للتعليم العالي ومؤسساته وأنماطه وأساليبه وعلاقاته ومُنتجاته.
وحول ما يَتعلق بدور مُؤسسات التعليم العالي في عملية التنمية الشاملة أكد الطراونة مسؤولية تلك المؤسسات في المشاركة بفاعلية في عملية تنمية المُجتمعات قائلاً: "يحدونا الأمل أن تقوم جامعاتنا بهذا الدور لانتاج أفراد مُبتكرين ومُبدعين في المجالات المُختلفة لخدمة المُجتمع عبر تحويل الأفكار الى أعمال تدمج المعرفة والخبرة لتوائم مُتطلبات سوق العمل المحلية والعالمية"؛ فالقيادات الجامعية الطموحة المُبدعة هي القيادة القادرة على تغيير أو تجديد أو استحداث نهج أو أسلوب جديد، واستعماله بتقنيات حديثة تتلاءم ومُتطلبات المؤسسة، وتطلُعات العصر الحديث، وتُلبي حاجات المُجتمع، وهي تعتمد على مقدرة القائد على استخدام الأشياء المألوفة بطريقة غير مألوفة، ومقدرته على طرح أفكار وحلول مُبتكرة للمًشكلات والقضايا، تتصف بالجِدة والجودة والجدوى. مُضيفاً: "ونحن نتحدث الليلة في هذا المنتدى الكريم، يجب أن نزور ضمائرنا، ونتحدث بكل أمانة وشفافية عن الواقع المرير، الذي لا يخلو أيضاً من نجاحات هُنا وهُناك لبعض القادة من الشباب والباحثين والأساتذة، إلا أنه لم يرقَ بعد إلى مستوى أحلامنا وتطلُعاتنا في مُواكبة الجامعات الأردنية للجامعات العالمية المتقدمة".
وفي جانب التحديات التي تواجه التعليم العالي في الأردن بيّن الطراونة بأنها تتمثل في "زيادة الطلب على التعليم العالي، وغياب التوجه نحو التعليم المهني، وعدم الانسجام بين مُخرجات التعليم العالي ومُتطلبات أسواق العمل، اضافةً إلى التحديات المالية، وتراجُع نوعية العملية التعليمية، كذلك تراجُع مُستوى البحوث العلمية، وعدم الإدراك الكافي لأهمية الجودة، وضعف أداء القيادات الجامعية، فضلاً عن القيود المُتعلقة باستقلال الجامعات والحُريات الاكاديمية، وعدم تبني الحوكمة الرشيدة، وصعوبة تفعيل التعلُّم الإلكتروني".
وبيّن الدكتور الطراونة بأن هُنالك مجموعة من المُبررات لإدخال الإصلاحات على منظومة التعليم العالي الأردنية من أبرزها: "تحسين القدرة التنافُسية للأردن في الاقتصاد العالمي القائم على المَعرفة، والشعور المُتنامي بالتراجُع المُتزايد في مُستوى جودة العمليات والمخرجات لهذا القطاع، وعدم التحكم في مدخلاته، وزيادة التناغم بين حاجات أسواق العمل ومخرجات نظام التعليم العالي، والإحساس بأن الوضع الحالي في نظام التعليم العالي لا يخدم الاحتياجات الراهنة للأردن وتطلعاته المُستقبلية، والمُحافظة على مُستوى نوعي ثابت من الجُودة للبرامج الأكاديمية لمؤسسات التعليم العالي لتمكينها من المُنافسة عالمياً، والحد من الجمود الهيكلي والتشريعي لأنظمة الجامعات وقانون التعليم العالي، فضلاً عن اهمية مُساعدة مؤسسات التعليم العالي على استعادة مكانتها وحضورها والإبقاء عليهما على المستويين الإقليمي والعالمي، وتحسين الأدوات التي يجب أن تتضمنها عملية التطوير الإداري للقيادات الجامعية.
وحَصَر الدكتور الطراونة محاور عملية الشروع والبدء بتنفيذ رؤى الإصلاح التي يُمكن تحقيقها في تفعيل ثمانية أنواع من السياسيات أبرزها سياسات الإصلاح المُتعلقة باستقلالية الجامعات، وسياسات الإصلاح الخاصة بجودة التعليم العالي، والسياسات والتوصيات الخاصة بإصلاح أنظمة الحاكمية والإدارة الجامعية، والسياسات والتوصيات الخاصة بإصلاح مصادر التمويل للجامعات واقتصاديات التعليم فيها، والسياسات والتوصيات الخاصة بإصلاح أنظمة القبول في مؤسسات التعليم العالي، وتنظيم التدفق الطلابي إلى مؤسسات التعليم العالي، والسياسات والتوصيات الخاصة ببناء الهيئات الأكاديمية وبرامج الابتعاث، والسياسات والتوصيات المتعلقة بالبحث العلمي، وأخيراً السياسات والتوصيات المُتعلقة بالتعليم الإلكتروني.
وفي جانب سياسات الإصلاح المُتعلقة باستقلالية الجامعات أكد الطراونة بأنها تتعلق بإلغاء قوانين الجامعات والاستعاضة عنها بالأنظمة والتعليمات الناظمة لعمل كُل جامعة على حِدة، في إطارٍ من الرقابة والمُساءلة الذكية لمجالس الأمناء وهيئة اعتماد مؤسسات التعليم العالي، وإعادة ترتيب دور مجلس التعليم العالي، بحيث يُناط به رسم السياسات العامة للتعليم العالي فقط، والتأكيد على تمتُّع الجامعات بالمرونة الضرورية للاستجابة للاحتياجات المتنوعة في ظل الظروف المُتغيرة والتنافسية، والتقليل من القيود المفروضة على الجامعات فيما يتصل بإدارة مصادر التمويل الخاص بها، مع تفعيل مبدأ المُساءلة، والانتقال من الدور الرقابي لوزارة التعليم العالي إلى الدور الإشرافي، كذلك إعطاء مجالس أمناء الجامعات الوضع القانوني لمجالس الشركات الحكومية.


وفيما يخُص سياسات الإصلاح الخاصة بجودة التعليم العالي أكد الدكتور الطراونة على أهمية اعتماد الجامعات لنظام الجودة الداخلية، من خلال ميثاق للمُمارسات الأكاديمية والإدارية، وإيجاد آليات للمُتابعة والتقييم الذاتي السنوي لكل وحدة أكاديمية وإدارية في الجامعة، وإيجاد آليات للتدقيق الخارجي من قِبَل جهات حيادية لآليات عمل الجامعات وجودة مُخرجاتها، وتعزيز الخطط الدراسية مع التركيز على التعليم الإلكتروني المُدمج والمُتزامن، وتعزيز تدريب الطلبة على المهارات العملية لتخريج طالب لديه "مشروع على ورق بدلاً من الشهادة الورقية"، ودمج البحث ومهاراته كأحد المُكونات الأساسية للإعداد في جميع الخطط الأكاديمية التي تُقدمها الكليات، ومُعالجة الخلل الحاصل في نسبة الطلبة إلى أعضاء هيئة التدريس في الجامعات الحكومية، كذلك إيجاد مراكز مُتخصصة للترجمة للمُساهمة في نقل المعرفة.


وعلى صعيد مُتصل وفيما يختص بالسياسات والتوصيات المُتعلقة بإصلاح أنظمة الحاكمية والإدارة الجامعية أكدَ الدكتور الطراونة ضرورة تحديث التشريعات النافذة ذات الصِلة بحاكمية الجامعات وإدارتها من خلال تعديل التشريعات النافذة بحيث تعكس معايير الحاكمية الجيدة وفق أفضل المُمارسات العالمية، كذلك ضرورة إعادة النظر جذرياً بمعايير وإجراءات تعيين القيادات الإدارية للجامعة، وتعديل التشريعات الخاصة بتعيين رؤساء الجامعات، فضلاً عن تعديل التشريعات بشكل يجعل مجلس الجامعة هو مجلس الحاكمية الأساسي في الجامعة، وأن يتم تطوير آلية تشكيله، كي يشمل تمثيل أعضاء هيئة التدريس والطلبة بشكل ديمُقراطي، والإبقاء على مجلس العُمداء للبتِّ في الشؤون الأكاديمية الصَرِفة، مُضيفاً بان هنالك اهمية كبيرة للانفتاح نحو المزيد من التمثيل الطلابي في اتحادات ومجالس الطلبة، وزيادة دور الطلبة في المُشاركة المسؤولة في شؤون الجامعة، وتطوير الهياكل التنظيمية للجامعات وتوحيدها ضمن هيكل تنظيمي عام ومَرِن تتوافر فيه الشروط المطلوبة للنجاح والحاكمية الرشيدة.
وفي الجانب المُتعلق بمصادر التمويل للجامعات واقتصاديات التعليم فيها طرح الطراونة عدداً من السياسات والتوصيات الخاصة بإصلاح هذا الجانب من خلال زيادة نسبة الدعم من الناتج العام للدولة الذي يُقدَّم إلى الجامعات، وتقسيم الدعم الذي تقدمه الحكومة لمؤسسات التعليم العالي الحكومية وفق الآتي: "دعم تتلقاه الجامعة للنفقات المُتكررة، والتمويل التنافسي للمشاريع الاستثمارية، والتمويل المُرتبط بتنفيذ الأهداف والغايات التنموية والسياسية ذات الأولوية للدولة، وإنشاء وقفيات في مؤسسات التعليم العالي الرسمية تموَّل من التبرعات والهبات والاستثمارات، ووضع خطط شفّافة للحد من الإنفاق الاستهلاكي، وضع خطط لتحمُّل الجامعة مسؤوليتها في التمويل الذاتي من خلال تفعيل دور صناديق الاستثمار داخل وخارج الجامعة، وزيادة القدرة في الحصول على تمويل المشاريع البحثية والجامعية".


وأضاف أيضاً في هذا الجانب بأن ما يدعم هذه الرؤى يكمُن في تفعيل دور مجالس الأمناء في جذب التمويل للجامعات، واستحداث تخصصات تُحقق التوافق بين التعليم وحاجات المُجتمع ممثلاً في قطاعات الأعمال والمؤسسات الإنتاجية، وتبني نظام تقديم برامج تعليمية مُشتركة مع الجامعات المُتميزة في الخارج، والتأكيد على أن التعليم العالي ليس عملية خدمية وإنما عملية إنتاجية، وأنه يُعطي مُخرجات إنتاجية لها مردود اقتصادي واضح على كافة مستويات الحياة العامة.
ولفت الطراونة إلى أهمية تبني نموذج الجامعة المُنتجة (Productive University)، موضحاً بأنه يقصد به الجامعة التي تُحقق وظائفها المُتوقعة والمُتمثلة في التعليم والبحث وخِدمة المُجتمع، وتتكامل فيها هذه الوظائف لتحقيق بعض الموارد المالية الإضافية من خلال أساليب ووسائل مُتعددة منها: التعليم المُستمر والاستشارات والبحوث التعاقُدية والأنشطة الإنتاجية.

وفي ذات السياق وحول ما يخُص السياسات والتوصيات الخاصة بإصلاح أنظمة القبول في مؤسسات التعليم العالي، أكد الدكتور الطراونة على أهمية إعادة النظر في اعتماد امتحان شهادة الثانوية العامة كأساس وحيد للقبول بمؤسسات التعليم العالي، والتقليل من عدد المسارات القائمة حالياً في التعليم الثانوي في الأردن، بحيث يقتصر الأمر على مسارين فقط هُما المسار الأكاديمي والمسار التقني والمهني، واستحداث امتحان قبول في الجامعات يُركّز على قياس القُدرات المعرفية والمُعالجة العقلية الرياضية والمنطقية واللفظية للطالب، واستعداداته للتعلّم الجامعي، وقبول الطلبة في الجامعة في حقول معرفية وليس في تخصصات دقيقة، بناءاً على مُعدله (أو نجاحه) في امتحان شهادة الثانوية العامة وامتحان القدرات والاستعدادات للدراسة الجامعية.
وفيما يخُص تنظيم التدفق الطلابي إلى مؤسسات التعليم العالي أشار الطراونة إلى أهمية رفع الحد الأدنى للقبول في بعض التخصصات، وألاّ تزيد نسبة الذين يُقبلون في الجامعات عن (50%) من الطلبة الناجحين في امتحان شهادة الثانوية العامة، كذلك ربط أعداد الطلبة المقبولين بالبرامج الخاصة بالجامعة بطاقتها الاستيعابية التي تُراعي معايير الجودة، مع أهمية إنشاء مرصد وطني في إحدى الجامعات لأحوال سوق المهن محلياً وإقليمياً وعالمياً، ووجوب مُراجعة قوائم القبول الاستثنائي للحد منها، بحيث لا تتجاوز نسبتها (15%) من مجموع الطلبة المقبولين، وتخفيضها تدريجياً لتقتصر على قائمة واحدة للأقاليم والمحافظات والقوات المسلحة، وبحيث تكون مرتبطة بنظام صارم للشفافية.
وحول أبرز السياسات والتوصيات الخاصة ببناء الهيئات الأكاديمية وبرامج الابتعاث أكد الطراونة على مُطالبة الجامعات بوضع خطط لتحقيق معايير الجودة في نسبة أعضاء هيئة التدريس إلى أعداد الطلبة في كل برنامج دراسي، ووضع برامج للتدريب والتطوير لأعضاء هيئة التدريس مع التركيز على حُسن توظيف التعليم الإلكتروني، وتقديم حوافز مُجزية لتشجيع أعضاء هيئة التدريس لقضاء إجازة التفرغ العلمي في جامعات ومراكز علمية وبحثية عالمية، واعتماد معايير وشروط موضوعية وشفافة لتعيين أعضاء الهيئات التدريسية وترقيتهم، وتطوير نُظم لتقييم أداء أعضاء هيئة التدريس في كل جامعة.
إضافةً إلى إعادة النظر في نظام البعثات العلمية في الجامعات الحكومية، وإطلاق برنامج وطني للابتعاث لمدة خمس سنوات على أن يكون هذا البرنامج مكفولاً من الدولة، اضافة إلى منح الجامعات صلاحيات استقطاب أعضاء هيئات تدريس مُتميزين (محليين وأجانب) ومن خلفيات ثقافية مُتعددة، وإيجاد نظام أكثر مرونة لسُلّم رواتب أعضاء هيئة التدريس، يُتيح المجال أمام الجامعات لاعتماد الراتب على عقود خاصة.


وفي جانب السياسات والتوصيات المُتعلقة بالبحث العلمي طالبَ الدكتور الطراونة بتعزيز مفهوم البحث العلمي ودعمه ليُساهم في حل مشاكل الاقتصاد والتنمية وذلك من خلال حصول الباحثين على براءات الاختراع، وتوجيه البحث العلمي للمُساهمة في تطوير عمليات التنمية وزيادة الإنتاج بَدلاً من الانكفاء على الاستبيانات والأرقام العرجاء التي لا تُقدم أي جديد للمعرفة.
مُشدداً على إيجاد مراكز تميُّز علمي وبحثي في الجامعات الرسمية لتكون كل جامعة مُتميزة بحقل من حُقول المعرفة، وإنشاء المُتنزهات العلمية وحاضنات الأعمال ومُختبرات البحث الخاصة بأعضاء هيئة التدريس، ودعم الجامعة لتغدو حاضنة للأفكار، وتُصبح مُلتقى للرؤى والطروحات الفكرية التي من شأنها الرُقي بالوطن وحملها نحو آفاق الإنسانية ونزعها من محليتها التي أغرقت بعضها في الجهل والتخلف، وتعزيز مفاهيم الديمقراطية والمشاركة لدى الطلبة، واعتبار الجامعة مجالاً أولياً للوصول للحكم الديمقراطي الرشيد، إضافةً إلى قيام الجامعات بتوفير الخبرة التعليمية والعلمية المُتميزة لطلبتها، وتبني برامج بحثية لإنتاج المعرفة النظرية والتطبيقية ونشرها ، والمساهمة بشكل فاعل في بناء ثقافة التعلم المُستمر، وتحسين مُستوى الحياة في مُجتمعها المحلي والإقليمي والعالمي.


وفيما يخُص السياسات والتوصيات الخاصة بالتعليم الإلكتروني أشار الطراونة إلى أن الحياة الإنسانية قد شهدت خلال السنوات الأخيرة تطورات سريعة وتأثيرات ملموسة على كافة الصُعُد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية، نتيجة للتأثيرات المُباشرة للثورة الرقمية والتكنولوجية على أنماط الحياة المُختلفة.
موضحاً بأن تكنولوجيا المعلومات تُشير إلى جميع أنواع التكنولوجيا المُستخدمة في تشغيل ونقل وتخزين المعلومات في شكل إلكتروني، وتشمُل تكنولوجيات الحاسبات الآلية ووسائل الاتصال وشبكات الربط، وأجهزة الفاكس بالإضافة إلى البرامج التي تُشغل هذه الحاسبات، مؤكداً أن العملية التربوية التعليمية لم تسلم من هذه التغييرات، فالانفجار المعرفي والانفجار السكاني وثورة المواصلات والاتصالات والثورة التكنولوجية وما يترتب عليها من سُرعة انتقال المعرفة، جميعها عوامل تضغط على المؤسسة التربوية من أجل مزيد من الفعالية والاستحداث والتجديد لمُجاراة هذه التغيُّرات.
أما طُرق تفعيل التعليم الالكتروني فأوضح الطراونة بأنه لا بد من وضع خطة ترصد التحديات المُختلفة التي تُعيق عمل هذا النوع من التعليم، والتي يتصدرها "التحديات الفنية والإدارية المُتعلقة باستخدام تقنيات التعلم الإلكتروني، والتحديات المالية لتطبيق التعلم الإلكتروني، والتحديات المهنية العامة (لأعضاء الهيئتين التدريسية والاداريه والطلبه) في مجال التعلم الإلكتروني، والتحديات الخاصة بتوفير البيئة المُلائمه لتطبيق التعلُّم الإلكتروني".


وحول أبرز الحلول المقترحة لتفعيل التعليم الالكتروني فأشار الطراونة إلى ما يتعلق منها بجانب التحديات الفنية والادارية والتي يمكن التغلُّب عليها عبر توفير الفنيين المُختصين لإدارة المواقع الالكترونية وتفعيل وصولها الى كل المُستخدمين، وتوفير فيديوهات تعليمية وإرشادية تضمن معرفتهم لآلية الدخول والاستفادة من منصات التعلم المتوفرة، وفي جانب التحديات المالية فيجب وضع موازنة مالية سنوية لتفعيل أنظمة التعليم الإلكتروني الحديثة ومواكبة المُستجدات العالمية بهذا الخصوص، لاستخدام أحدث التقنيات التي تُساهم بإثراء التعليم الإلكتروني وتعزيز دوره.
أما التحديات المهنية العامة (لأعضاء الهيئتين التدريسية والاداريه) في مجال التعلم الإلكتروني فبيّن الطراونة بأن هنالك أهمية بالغة لتغيير الاتجاهات السلبية عند بعض أعضاء الهيئة التدريسية بخصوص التعليم الالكتروني وذلك من خلال عقد لقاءات مع مُتخصصين لاقناعهم بأهمية هذا الجانب من العملية التعليمية، وعمل دورات مُتخصصة ومجانية لهُم وجعلها إجبارية لضمان معرفتهم بالتقنيات الإلكترونية الحديثة التي ستؤهلهم للدخول إلى منصات التعليم الالكتروني والاستفادة منها، وحول جانب التحديات المهنية العامة للطلبة في مجال التعلّم الإلكتروني فأكد ضرورة وضع مناهج عامة للطلاب أو فصول مُتخصصة في كتاب الحاسوب تتحدث عن أنظمة التعليم الالكتروني وشرحها كمادة تحضيرية لدخوله الجامعة، لاكسابهم مهارات الاتصال والتواصل عبر الوسائل الإلكترونية، والدخول والاستفادة من الملفات الموجودة وحفظها وتحميل الملفات إلى الشبكة واستخدام الوسائط المُتعددة.


وفيما يخُص التحديات الخاصة بتوفير البيئة الملائمه لتطبيق التعليم الإلكتروني فأكد على ضرورة توفير التشريعات المُناسبة لخلق ثقافه جديده تؤمن بالتعليم الإلكتروني كحاجه ضرورية، وتوفير البُنى التحتية والتجهيزات الفنية الحديثة لتمكين الجامعة من الانتقال السلس لتطبيق التعليم الالكتروني كما يُبتغى منه.
وحدد الدكتور الطراونة النظرة المُستقبلية الى التعليم العالي بأنها يجب أن تتوخى وتأخذ بعين الاعتبار مُتطلبات النهوض الإقتصادي والاجتماعي ودور مؤسسات التعليم العالي، والإستثمارات الرأسمالية اللازمة، وتحويل الجامعات الى مراكز علمية وبحثية تطبيقية مُتخصصة، وإيجاد قيادات جامعية لديها فِكر استشرافي، ومجالس حاكمية مُستقلة إجرائياً وموضوعياً وقادرة على مأسسة عملها بكل شفافية ومسؤولية، وتخصصات حديثة ومناهج مُتطوره وخريج مُنافس، وطالب لديه الرغبه والاهتمام والكفاءة المُناسبة لدخول التخصص المرغوب، وهياكل تنظيمية وتشريعات مرنة تساعد الجامعة على الاستقطاب والاستثمار.
وختم الطراونة بقوله: "إن كُل ذلك يستدعي إعادة النظر في مؤسسات التعليم العالي ليس على اعتبارها استثماراً تجارياً بمفهوم الأعمال والأرباح وإن كانت لا تخلو بطبيعة الحال من ذلك، وإنما النظر اليها على أنها جزء أساسي وحيوي في عملية التنمية الشاملة والمًستدامة".
وفي نهاية المُحاضرة تم فتح باب الحوار والنقاش إذ طُرحت العديد من المحاور والطُروحات التي تناولت دور مؤسسات التعليم العالي في خدمة الوطن والمُجتمع، ودور القيادات الجامعية، وأبرز التحديات التي تواجه التعليم العالي الأردني وسُبل المعالجة والتطوير.
وفي البدء أكدت إحدى المُداخلات بأن الجامعة تُعتبر أحد أبرز لبِنات تطوير الوطن والمواطن ولكي تنجح في المُجتمع يجب أن تعمل ضمن منظومة وفي إطار جُملة من السياسات التي تُحددها الدولة، وأكدت المُداخلة بأن البحث والتطوير يجب أن يكون حلاً لا أن يقف عند جمع البيانات والمعلومات وحسب، كما أن على الجامعة أن تستجيب لمُتغيرات ومُتطلبات الوطن وأبنائه ومُشكلاتهم، إذ نجد بأن البحث العلمي في العالم الغربي على سبيل المثال قد وُجد لحل إشكاليات المُجتمع في مُختلف القطاعات ولنأخذ مثلاً القطاع الزراعي الذي يستفيد من نتاجات البحث العلمي في عمليات التطوير، وتساءلت المُداخلة متى نكون مُستعدين لمُحاكاة مُتطلبات الوطن والمواطن ومتى تنبري الشركات والمؤسسات والجامعات الراغبة في التحديث لاستثمار البحث العلمي في حل إشكاليات المُجتمع؟.


وعرضت مُداخلة أخرى قضايا التعليم العالي الأردني وإشكالياته عبر تقديم الاحصائيات والأرقام المتعلقة بجُملةَ من القضايا التي تتعلق بالتعليم العالي مؤكدةّ الحاجة لثورة بيضاء لا مجرد مفهوم إصلاحات وحسب بحيث تطال هذه الثورة كافة جوانب التعليم العالي واشارت المُداخلة بالارقام إلى كُلف التعليم العالي والاستثمارات فيه في الأردن وأبرز المشاكل التي يعاني منها المُجتمع مُستعرضةً نسب البطالة وتواضع كُل من البحث العلمي ونسب الابتكارات على مُستوى الجامعات الأردنية فيما تشهد دول عربية أخرى ارتفاعاً لها، مؤكدةَ تواضُع البحث العلمي في الأردن وعدم إسهامه في حل مُشكلات المُجتمع وقضاياه مشددة بأن البحث العلمي ليس بذخاً أو ترفاً بل ضرورة وحاجة مُلحة لكننا لا زلنا نراوح مكاننا في هذا المجال.
ولفتت المُداخلة بأن الجامعات الأردنية تُقلدُ بعضها بعضاً ولا يوجد ثمة دراسات تدعم حاجات الدولة الأردنية مؤكدة الحاجة بأن يكون في الجامعات الأردنية مراكز تُحاكي تجارب دول مُتقدمة لا أن تبقى في مراحل التقليد على مستوى التخصصات أو افتتاح الكُليات أو المراكز وحسب.
وتطرقت المُداخلة الى أزمة وباء كورونا مؤكدة عدم إسهام الجامعات الأردنية بإيجاد أية حلول للمجتمع عبر الأبحاث العلمية الرصينة، مُشددة على ضرورة النظر إلى الأمام واستشراف المُستقبل عبر نظرة واقعية للتعليم الالكتروني والمُدمج وتطوير البُنى التحتية في الجامعات وتعزيز السياحة التعليمية "علينا أن نُهيئ أنفسنا لمرحلة ما بعد كورونا حيثُ أثبتت هذه الازمة أو الجائحة تاثيرات مُتعددة سيما في مجال التعليم العالي وما ستفرضُه مفرزاتها من اختفاء مهن وتخصصات مُعينة وحلول أخرى جديدة.
وطرحت مُداخلة أخرى أهمية بعض الجامعات التي وُجدت في المناطق النائية كجامعة العقبة للتكنولوجيا لتخدم المنطقة الجنوبية في الأردن مُستقطبةً مناطق في السعودية وشمال سيناء والمنطقة الجنوبية، لافتتة الى أن التعليم ما قبل جائحة كورونا لم يكن مُرضياً فيما ازداد الأمر سوءاً مع وجود الجائحة وتبعاتها وتساءلت المُداخلة كيف يُمكن تلافي آثار الجائحة ميدانياً.
بدوره أجاب الدكتور الطراونة على التساؤلات وعلّق على المُداخلات مؤكداً أن الجامعة من أبرز لبِنات المُجتمع وأعمدة بنائه، وهي من تُحدِث التغيير فيه وتقوده لكنه أشار في ذات الوقت الى ما تتسم به جامعاتنا من ضعف في القيادات الجامعية وفي مُقدمتها رؤساء الجامعات الذين يقع على كاهلهم مسؤولية إحداث التغيير المنشود مؤكداً ضرورة أن تتمتع القيادات الجامعية والكوادر العاملة الأخرى في الجامعة بمهارات القيادة لإدارة التعليم العالي ومنظومته وإعلائه والارتقاء به لاحداث النقلة النوعية المأمولة.
كما أكد ضرورة إنشاء هيئة وطنية للبحث العلمي ومنح أعضاء الهيئات التدريسية العديد من الامتيازات ليكونوا فاعلين في الانتاج العلمي كامتيازات اجازات التفرغ العلمي ورفع الرواتب وخفض سقوف المواد الدراسية للحدود الدُنيا للباحثين، مؤكداً بأنه يجب على الدولة حفز الارادة لانشاء مثل هذه المراكز البحثية الفاعلة استجابة لمُتغيرات الوطن ومتطلباته ولايجاد الثقة بمُنجزاته.


وأضاف الطراونة بأن هنالك أعضاء هيئة تدريس مُتميزين في الجامعات الأردنية لكنها تُحرَم من الفُرص، مُشدداً على ضرورة تغيير النظرة النمطية للقطاع الخاص ووصمه بأنه استغلالي بل يجب منحه واعطائه الفرصة كونه قطاعاً منتجاً في مجال التعليم العالي فهنالك أكثر من عشرين جامعة في هذا القطاع لها اسهاماتها.
وطالب الطراونة بضرورة أن يبدي مجلس التعليم العالي مرونة واستجابة أعلى واعمق في مجال تراخيص التخصصصات المُتفردة والنوعية في الجامعات لخدمة الوطن واحتياجاته، مع ضرورة تغيير نمط القيادة وتغيير عقلية القائد التربوي ضمن رؤية استشرافية وليس بشكل أناني.
وفي جانب تاثيرات الثورة الرقمية على التعليم أكد الطراونة بأن التعليم عن بعد جزء من هذه الثورة لكنه لم يحقق المُبتغى منه فقد يكون هذا النوع من التعليم قد حل إشكالية طارئة على المُجتمع الأردني في ظل جائحة كورونا لكنه لم يؤتِ ثماراً مفيدة خاضعة لمقاييس ومعايير وضوابط لذا يجب أن يتم تقييمه بدقة من جهات مُحايدة.
ولخّص الطراونة بأن هُنالك حاجة ماسة الى قيادات ناجحة، وأهمية رفد قطاع التعليم العالي بمعايير شفافة ووضع مأسسة وحوكمة رشيدة ومُحاسبة في القطاعين الرسمي والخاص، أما في مجالات إعادة تفعيل استقطاب الطلبة للجامعات الأردنية فأكد ضرورة إيجاد تكامُلية بين الوزارات الأردنية كوزارات الداخلية والخارجية والتعليم العالي، مؤكداً ضرورة ايجاد استقلالية للجامعات وتفعيل دورها وعدم إخضاعها لسُلطات مُتعددة تؤثر في قراراتها وفي نمائها، مُقرِناً ذلك مع إيجاد رؤساء جامعات أقوياء يكون ولاؤهم وانتماؤهم الخالص للجامعة وتطويرها غير تابعين لأي سلطات جانبية.
وأشار الى ضرورة تأهيل الأستاذ الجامعي وتوفير الحياة الكريمة له للحد من هجرة العقول والأدمغة الأردنية للخارج لأن مستوى الغلاء في الأردن في تصاعُد والنظر للاصلاح كمنظومة مُتكاملة بدءاً من رياض الأطفال وحتى الجامعة.
وتساءلت مُداخلة حول تدني مُستوى الثقة بالخريج الأردني على الرغم من وجود خريجين مُبدعين يتمتعون بمستويات عالية من الكفاءة، فيما أشارت مُداخلة ثانية إلى أهمية اصلاح التعليم العالي في ظل التوجه الأردني العام لتحقيق جُملة من الاصلاحات فيما أكدت المداخلة على ضرورة إيجاد دراسات استباقية لحل أزمات الوطن قبل نشوبها فهنالك غياب في التخطيط وتراجُع لمُستوى التعليم ومُخرجاته إضافة الى نقص المهارات التواصُلية لدى الاستاذ على مستوى المدرسة والجامعة.


من جانبه بيّن الدكتور الطراونة وجوب أن يتم انتقاء أعضاء الهيئات التدريسية ضمن معايير وضوابط دقيقة ودعم المُتميزين منهم عبر حوافز مُجزية تشجع البحث العلمي، مع ضرورة العمل على تطوير التشريعات وإيجاد المرونة اللازمة فالأساس هو اصلاح القطاع التعليمي، وإصلاح القيادات الاكاديمية والتربوية مع ضرورة أن تتمتع بنظرة استشرافية وابداعية لنقل الجامعة لمُستويات أفضل والمُساهمة في إيجاد حاضنات الاعمال ورفع مستوى البحث العلمي والارتقاء بالجامعة ومُستوياتها ورفع مُستوى المُخرجات أي (الطالب) ووضع مواصفات للطالب الخريج لتشجيع الابداع والريادة، مُطالباً بتحقيق الموضوعية والاستقلالية الإجرائية والتصرُّف ضِمن المُسائلة الذكية وضمن معايير الاعتماد والجودة مع أهمية ربط هيئات الاعتماد بالجودة.
وحول الخريجين الأردنيين وضعف الثقة بهم وفق المداخلة فأكد الطراونة بأن الامر ليس عدم ثقة بالخريج الاردني إنما يكمن الأمر في عدم فهم المؤسسات الأردنية للخريجين فليس من دور الجامعات التوظيف إنما يكمن دورها في الإعداد السليم والمُتكامل للخريج لتهيئته لسوق العمل عبر تزويدة بالمعرفة والخبرة والمهارة ليس على المستوى المحلي وحسب انما العالمي لذا وجب على الجامعات ان تكون انسانية وليست جهوية أو مناطقية.


وحول التعليم الالكتروني أوضح الطراونة لقد كان لدى الجامعات الاردنية انظمة للتعليم الإلكتروني منذ فترة سابقة قبل الجائحة لكن هذا النوع من التعليم لم يكُن مُفعلاً بالشكل المُناسب من هُنا "علينا أن نهيئ أنفسنا لمثل هذه الازمات حيثُ خاض الأردن هذا النمط من التعليم في ظل الجائحة بشكل سريع في سبيل إدارة الازمة وتجاوزها وديمومة التعليم للطلبة لكن علينا امتلاك الخطط الاستباقية ويجب المحافظة على سُمعة التعليم العالي الأردني".
تجدر الإشارة إلى أن الاستاذ الدكتور أحمد بطّاح قد أدار مُجريات المحاضرة وقد بدئها بالترحيب بالضيف المُحاضر مُستعرضاً سيرته الحافلة وابرز انجازاته التي قدّمها على مستوى الجامعات الأردنية والمؤسسات الأكاديمية والمواقع التي شغلها وأبرز المنجزات التي حققها في هذه الصُعد.
انتهى ...
نوزات أبو العسل
6/7/2021

Pin It